الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 960 من القانون المدني السوري

الرأي الفقهي
طبيعة حق الارتفاق وتعريفه
عرف قانون الملكية العقارية حق الارتفاق بأنه تكليف موضوع لمنفعة عقار على عقار مملوك لآخر. فهو حق يرجع إلى صاحب العقار المقرر له الارتفاق وتكليف على العقار المقرر عليه هذا الحق. ولا يعني الارتفاق أن هناك امتيازاً لعقار على آخر.
والقصد من حق الارتفاق التمكن من الانتفاع من العقار المقرر عليه هذا الحق ليستطيع صاحب العقار الأول أن يستعمله ويستغله بما أعده له. والعقار المقرر عليه حق الارتفاق يصيبه نقص من حصول الارتفاق عليه ويقيد استعماله ويحدد من حرية المالك من الاستفادة من عقاره بصورة مطلقة. إلا أن هذا الضرر البسيط لا يتناسب مع الضرر الشديد الذي قد يصيب العقار الآخر فيما إذا منع عنه. ولولا حق الارتفاق لتعطلت عقارات كثيرة.
وأول واجب على صاحب العقار المقرر له حق الارتفاق أن يستعمله استعمالاً لا يزيد فيه. فليس له أن يجري تغييراً بالعقار ولا تعديلاً بحق الارتفاق وإنما لصاحب العقار المقرر له الارتفاق إذا استعمل حقه أن يستعمل ما هو من ضروراته.
والقانون حصر الارتفاق لمنفعة العقار. فإذا لوحظت منفعة خاصة لصاحبه جعلها من قبيل الاتفاقات الشخصية وأدمجها في عداد المقاولات الخاضعة للقانون العام لأن الارتفاق لا يقصد منه منفعة صاحب العقار بالذات بل العقار نفسه المقرر له حق الارتفاق. لذلك فإذا تبدل المالك وانتقل العقار المقرر له حق الارتفاق إلى غيره فإن حق المرور (ارتفاق) يبقى مستمراً لا يزول إلا بزوال العقار نفسه بخلاف الاتفاقات الشخصية.
ويترتب على ذلك
1 – أن حق الارتفاق هو تكليف عقاري يقع على العقار بالذات لا يجوز تقريره إلا من المالك بالذات ولا يجوز لغير المالك تقرير حق ارتفاق على العقار الذي استأجره إنما يجوز له أن يترك جاره يمر مثلاً بالعقار وينتهي بانتهاء الاجارة. وهذا الموجب الذي قرره المستأجر شخصي لا عيني وهو مؤقت كعقد الإيجار.
2 – يجب التمييز بين الارتفاق وبين الاتفاقات الشخصية التي يتعاقد عليها المالكون بسبب الجوار والتي تخضع للمبادىء العامة المتعلقة بالعقود. مع معرفة أن التكليف الموضوع على العقار والمنفعة الملحوظة بالعقار الآخر هما من الحقوق العينية وهما مختصان بالعقارين وملحقان بهما ولا عبرة للمالك لهما. فإن حق الارتفاق يبقى ولو تبدل المالك للعقارين وإن حق الارتفاق حق عيني.
3 – أن حق الارتفاق حق له طبيعة الحق الأصلي فليس تابعاً لحق شخصي كالتأمين الذي هو حق عيني تابع لحق شخصي هو دين الدائن.
4 – يجوز بيع حق الارتفاق وإيجاره والتأمين عليه بدون العقار المقرر له حق الارتفاق.
5 – إذا باع البائع عقاره فليس له أن يستثني حق الارتفاق لمنفعته لأنه لا يكون عندئذ مقرراً على عقار ولا يجوز استخدامه وحده لعدم الفائدة.
6 – والنص افترض وجود عقارين مملوكين لشخصين مختلفين فأكثر. ولا يتصور أن يكون حق الارتفاق على عقار المالك نفسه لأن حق الملكية يشمل انتفاع المالك بملكه بصورة مطلقة ويدخل في ذلك كل الارتفاقات من مطل ومرور الخ.
7 – ولا يشترط على رأي الأغلبية من الشراح أن يكون العقاران متلاصقين. فيجوز لمالكي عقارين أن يتفقا أن لا يبني أحدهما طابقاً علوياً يحجب النظارة عن العقار الآخخر ولو كان بين العقارين طريق أو مطل. وإنما هذا الاتفاق يكون باطلاً إذا كان عدم البناء لا تتولد منه فائدة للعقار الثاني.
8 – يجب أن يكون التكليف الموضوع على العقار ذا فائدة للعقار الأول وهذه الفائدة ذات قيمة تزيد في قيمة العقار على وجه دائم إما بطريق الانتفاع أو زيادة الانتفاع أو زخرفة العقار. ويجوز أن تكون المنفعة احتمالية وليست حالية. وعليه يجوز للمالك أن يتعاقد مع الغير لامتلاك حق ارتفاق لمنفعة محتملة الحدوث لعقاره وإنما إذا لم يكن هناك فائدة حالية أو مستقبلة فإن التعاقد على إنشاء حق الارتفاق يكون باطلاً لعدم توفر شرط النفقة.
9 – أن حق الارتفاق لا يتجزأ. بمعنى أن العقار إذا كان مملوكاً على الشيوع لعدة أشخاص فلا يجوز تقرير حق الارتفاق عليه من غير رضاء جميع الشركاء في الملك.
10 – القسمة لا تقلل من حق الارتفاق. ولذلك يبقى كل شريك مستعملاً لحقه بلا تعديل كالماضي. (شرح قانون الملكية العقارية – للأستاذ زهدي يكن ص428 وما بعد).

– وأما الدكتور عبد المنعم فرج الصدة فإنه يحدد شروط وجود حق الارتفاق على الشكل التالي
1 – يجب أن يوجد عقار مرتفق وعقار مرتفق به
يجب لقيام حق الارتفاق أن يكون هناك عقار مرتفق وهو العقار الذي تعود عليه الفائدة من حق الارتفاق حيث لا ينشأ هذا الحق إلا لفائدة عقار.
ويجب لقيام حق الارتفاق أن يكون هناك عقار مرتفق به وهو العقار الذي ينشأ عليه حق الارتفاق فينتقص من منفعته لفائدة العقار المرتفق. حيث لا ينشأ هذا الحق إلا على عقار.
وعلى هذا فإن العقار المرتفق به يجب أن يحقق فائدة أو خدمة للعقار المرتفق بحيث يؤدي ذلك إلى زيادة في منفعة هذا العقار الأخير ونقص في منفعة العقار الأول. ولذلك سمي العقار المرتفق به بالعقار الخادم وسمي العقار المرتفق بالعقار المخدوم حيث يصبح العقار المرتفق به مثقلاً بتكليف معين لمصلحة العقار المرتفق وهذا التكليف وهو مضمون حق الارتفاق مختلفة أنواعه. وتؤخذ الفائدة أو الخدمة التي تتحقق من وراء هذا التكليف للعقار المرتفق بالمعنى الواسع.
ولا يشترط في هذه الفائدة أو الخدمة أن تكون حالة بل يصح أن تكون مستقبلة. وكذلك لا يشترط أن يكون العقار المرتفق والعقار المرتفق به متلاصقين أو حتى متجاورين.
2 – يجب أن يكون العقارين مملوكين لشخصين مختلفين
يجب لقيام حق الارتفاق أن يكون العقار المرتفق به مملوكاً لشخص غير صاحب العقار المرتفق. فلا يقوم حق ارتفاق بين عقارين مملوكين لشخص واحد.
وهذه القاعدة التي تقضي بأن حق الارتفاق لا يقوم بين عقارين مملوكين لشخص واحد لا تنطبق إلا إذا كان الشخص يملك العقارين ملكية خاصة مفرزة حيث يتحقق اختلاف المالك إذا كان أحد العقارين مملوكاً على الشيوع لأكثر من شخص وكان العقار مملوكاً ملكية مفرزة لأحد الشركاء فيجوز في هذه الحالة أن يقوم حق ارتفاق على العقار الشائع لفائدة العقار المقرر كما يجوز العكس.
3 – يجب أن يكون التكليف مفروضاً على عقار
يجب لقيام الارتفاق أن يكون التكليف الذي يتضمنه الارتفاق مفروضاً على عقار وليس على شخص. فلا يجوز أن يكون مضمون حق الارتفاق التزاماً شخصياً مفروضاً على مالك العقار المرتفق به ذلك أن حق الارتفاق حق متفرع عن الملكية وهذا يعني أنه يخول مالك العقار المرتفق سلطة ممارسة بعض مزايا الملكية على العقار المرتفق به. فهو حق عيني يتمثل في سلطة مباشرة يمارسها صاحبه على العقار المرتفق به دون وساطة مالك هذا العقار. فلا يكون على هذا المالك أن يقوم بعمل ما وإنما يلتزم فحسب بأن يترك صاحب حق الارتفاق يستعمل حقه.
إنما يجوز أن يلتزم صاحب العقار المرتفق به بالقيام بعمل لا يكون هو المضمون الأصلي للارتفاق بل يكون عملاً إضافياً تابعاً له بحيث يقتضيه استعمال الارتفاق على الوجه المألوف.
4 – يجب أن يكون التكليف لفائدة عقار
يجب لقيام حق الارتفاق أن يكون التكليف الذي يتضمنه الارتفاق مقرراً لفائدة عقار وليس لفائدة شخص بأن يكون هناك ارتباط بين مضمون الارتفاق وطبيعة الاستعمال الذي أعد له العقار المرتفق حيث يجني مالك هذا العقار الفائدة التي يحققها الارتفاق بوصفه مالكاً وليس بصفته الشخصية. فيكون من شأن الارتفاق أن يزيد في قيمة العقار سواء كان ذلك بالزيادة في فائدته أو في تجميله. أما الخدمات التي تتقرر لفائدة المالك الشخصية دون أن يكون هناك علاقة مباشرة تربط بينها وبين الاستعمال أو الاستغلال الذي أعد له العقار فلا يصح أن تكون محلاً لحق ارتفاق.
5 – يجب ألا يكون التكليف مخالفاً للنظام العام
يجب لقيام حق الارتفاق أن يكون التكليف الذي يتضمنه الارتفاق مشروعاً. فسواء كان هذا التكليف هو قيام مالك العقار المرتفق بعمل معين أو امتناع مالك العقار المرتفق به عن القيام بعمل معين فإن العمل أو الامتناع عن عمل يجب ألا يكون مخالفاً للقانون أو للنظام العام أو الآداب.

خصائص حق الارتفاق
1 – حق الارتفاق حق عيني عقاري
فهو حق عيني يتمثل في سلطة مباشرة لصاحب العقار المرتفق على العقار المرتفق به بحيث يكون من شأنه أن يحد من منفعة هذا العقار الأخير لفائدة العقار الأول وبذلك فهو لا يرد إلا على عقار فيكون دائماً حقاً عقارياً.
2 – حق الارتفاق حق تابع
ومعنى ذلك أنه يتبع العقار فلا ينفصل عنه فيما يجري عليه من تصرفات. ولا يجوز التصرف فيه مستقلاً عن العقار إلا بالتخلي عنه.
فحق الارتفاق يتبع العقار المرتفق بحيث يعتبر من ملحقاته. فينتقل حق الارتفاق إلى من تنتقل إليه ملكية العقار. وكذلك يكون الوضع بالنسبة إلى العقار المرتفق به ولكن بصورة عكسية. فحق الارتفاق يتبع العقار المرتفق به بحيث يعتبر من ملحقاته السلبية. فإذا جرى تصرف على هذا العقار فإنه يظل مثقلاً بحق الارتفاق.
وهذه التصرفات جميعها سواء وردت على العقار المرتفق أو العقار المرتفق به تمتد إلى حق الارتفاق إيجاباً أو سلباً دون حاجة إلى النص على ذلك في السند المثبت للتصرف.
ولا يجوز التصرف في حق الارتفاق مستقلاً عن العقار. إنما يجوز التخلي عنه فيؤدي هذا التخلي إلى انتهائه.
3 – حق الارتفاق حق دائم
حق الحق الوحيد المتفرع عن حق الملكية الذي له صفة الدوام. ويرجع ذلك إلى كونه تابعاً لحق ملكية العقار فيدوم بدوامه. ودوام حق الارتفاق يقصد به أن الأصل هو دوام الارتفاق بدوام العقارين المرتفق والمرتفق به. فالدوام من طبيعة حق الارتفاق ولكنه ليس من جوهره حيث يسقط حق الارتفاق بعدم الاستعمال. ويجوز توقيته بأجل معين فينتهي بانقضاء الأجل. وينتهي أيضاً إذا فقد كل منفعة للعقار المرتفق أو لم تبق له غير فائدة محدودة لا تتناسب مع الأعباء الواقعة على العقار المرتفق به.
4 – حق الارتفاق حق غير قابل للتجزئة
وذلك بمعنى أنه يستحق لفائدة العقار المرتفق كله ويقع على العقار المرتفق به كله. فإذا جزء العقار المرتفق بقي الارتفاق مستحقاً لكل جزء فيه. وإذا جزىء العقار المرتفق به بقي الارتفاق واقعاً على كل جزء منه. وإذا كان هناك عقار مملوك على الشيوع لعدة أشخاص فلا يجوز ترتيب حق ارتفاق له أو عليه إلا بموافقة جميع الشركاء حيث لا يصح ترتيب حق ارتفاق على جزء شائع من هذا العقار أو لمنفعة جزء شائع منه. (الحقوق العينية الأصلية – للدكتور عبد المنعم فرج الصدة ص936 وما بعد).

الارتفاق بتخصيص المالك الأصلي (رب العائلة)
حدد الدكتور السنهوري شروط هذا الارتفاق وإثباته على الشكل التالي
هناك أربعة شروط يجب توافرها حتى يترتب الارتفاق بتخصيص المالك الأصلي.
1 – وجود عقارين مملوكين لمالك واحد.
2 – جعل هذا المالك الواحد أحد العقارين يخدم بالفعل العقار الآخر.
3 – وضع علامة ظاهرة لذلك.
4 – صيرورة العقارين مملوكين لمالكين مختلفين. فمتى توافرت هذه الشروط نشأ حق الارتفاق بتخصيص المالك الأصلي وعد مرتباً لأحد العقارين على العقار الآخر.
وهذه الشروط الأربعة كلها وقائع مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ولا تشترط الكتابة لإثباتها. فمن يدعي أن حق ارتفاق ترتب لفائدة عقاره على عقار آخر عليه أن يثبت توافر الشروط الأربعة التي تقدم ذكرها وله أن يثبتها كلها بجميع طرق الإثبات ويدخل في ذلك البينة والقرائن.
هذا وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن على من يتمسك بأنه اكتسب حق ارتفاق بتخصيص المالك الأصلي أن يثبت أن العقار المملوك له والعقار الذي يدعي أنه اكتسب حق ارتفاق عليه كانا مملوكين لمالك واحد وأنه في أثناء اجتماع ملكية العقارين أقام المالك الأصلي علاقة تبعية بينهما من شأنها أن تعتبر ارتفاقاً ظاهراً لو أن العقارين كانا مملوكين لملاك مختلفين. وأن هذه العلاقة استمرت بين العقارين إلى ما بعد انفصال ملكيتهما. وذلك ما لم يتضمن التصرف الذي ترتب عليه انفصال ملكية العقارين شرطاً صريحاً يخالف ذلك (نقض مصري 7 فبراير سنة 1967 مجموعة أحكام النقض 18 رقم 48 ص312 ومصر مستعجل 30 ديسمبر سنة 1948 المحاماة 29 رقم 310 ص620).
كما قضي بأن علاقة التبعية التي أوجدها المالك بين العقارين لا تشكل ارتفاقاً بالمعنى القانوني إلا عندما يصبح العقاران مملوكين لشخصين مختلفين ومن هذا الوقت فقط أما قبل ذلك فإن هذه العلاقة وإن كانت تقوم فعلاً لا تعتبر ارتفاقاًن وذلك لما يتطلبه القانون في أن يكون مرتباً على عقار لفائدة عقار آخر يملكه شخص آخر (نقض مدني مصري 30 ديسمبر سنة 1965 مجموعة أحكام النقض 16 رقم 218 ص1393).
فالدكتور السنهوري يعرف حق الارتفاق بتخصيص المالك الأصلي (رب الأسرة) وفقاً لما يلي
إن حق الارتفاق الظاهر يترتب بتخصيص المالك الأصلي إذا كان المالك يملك عقارين منفصلين وقد جعل أحدهما يخدم الآخر كما لو كان العقار الأول حق ارتفاق لفائدة العقار الآخر وجعل لهذه الخدمة علامة ظاهرة. وإلى هنا لا يمكن أن يقوم حق ارتفاق لأن العقارين مملوكان لمالك واحد. ولكن إذا أصبح العقاران مملوكين لمالكين مختلفين مع بقائهما على هذا الوضع فإن المفروض أن هذين المالكين المختلفين باستبقائهما هذا الوضع قد أرادا أن يبرز حق الارتفاق إلى الوجود وقد كان هذا الحق كافياً في الوضع السابق للعقارين وكان يعطله عن الظهور أن العقارين مملوكان لمالك واحد. أما وقد أصبحا مملوكين لمالكين مختلفين فلم يعد هناك ما يمنع من ظهور حق الارتفاق فينشأ هذا الحق من وقت اختلاف المالك. فحق الارتفاق الذي ينشأ بتخصيص المالك الأصلي إنما ينشأ بموجب اتفاق ضمني بين المالكين المختلفين للعقارين منذ أن أصبح العقاران مملوكين لمالكين مختلفين. فيكون الأساس الذي يقوم عليه الارتفاق في هذه الحالة في سبب نشوء الارتفاق هو هذا الاتفاق الضمني. وهذا الاتفاق الضمني ليس إلا عقداً أيس تصرفاً قانونياً. فالارتفاق الذي ينشأ بتخصيص المالك الأصلي الناشىء بموجب تصرف قانوني. (الوسيط للسنهوري ج9 أسباب كسب الملكية ص1334).