اجتهادات جمركية 103

إذا اقترن الضبط الجمركي بحجز البضاعة المهربة فانه يتمتع بقوة ثبوتية مطلقة في نطاق الوقائع المادية فيما عاينه ضابطو المخالفة بانفسهم وبحواسهم الذاتية إلى ان يدعي بتزويره اصولا وامام المرجع المختص. وأما إذا لم يقترن الضبط بالحجز فانه تراعى بشأنه القواعد العامة في الاثبات في القضايا الجزائية دون حاجة للادعاء بالتزوير لدحض ما ورد فيه.

الوقائع
انتهى الحكم الاستئنافي المطعون فيه إلى ما يلي
1 – عدم مساءلة المطعون ضدهم لعدم توفر الادلة بحقهم ذلك بعد ان هدرت المحكمة اقرار احدهم لعلة ثبوت ان الاقرار انتزع منه اكراها استنادا إلى البينة التي استمعت بهذا الشأن والى عدم القناعة بشهادة السائق لادلائه بشهادته في التحقيق الاولي في جو من الارهاب بالاضافة إلى ان البضاعة المدعى استيرادها تهريباً لم يضبط بها شيء.
2 – عدم مساءلة المطعون ضده لأنه لم يقم اي دليل على انه قام بفعل مادي يتعلق بعدد الاكياس التي اعترف بانها وضعت في بيته بغيابه بضع ساعات ثم نقلت منه وهو لا يعلم بمحتوياتها ولم يثبت موافقته على ايداعها.
محكمة النقض
حيث انه من المتفق عليه ان المخالفة الجمركية تعتبر قضية ذات طابع مزدوج أو مختلط فهي جزائية في نطاق التحقيق والاثبات وممارسة التدابير الاكراهية من توقيف واحتجاز ومصادرة على أساس انها تقوم على اقتراف عمل غير مشروع له أثره العميق على خزينة الدولة. وهي مدنية في نطاق أصولية المراجعة القضائية نظرا لما تسبغ عليه الرسوم والغرامات المتعلقة بها من صفة التعويض المدني للادارة ولما قد يربط هذه الالتزامات بعقود للتسوية والمصالحة.
وحيث انه في معرض استثبات الاعمال المنافية للقانون وبما يستمد اصوله من التشريعات الجزائية ومن قواعد الفقه والاجتهاد القضائي فمن المتفق عليه أن محاضر ضبط التحقيق وبصدد قوتها الثبوتية تقسم إلى فئات ثلاث
الاولى محاضر تعبر عن الحقيقة وما تضمنته يعتبر ثابتا ما لم يدحض بادعاء التزوير. وهذه الفئة من المحاضر معدة لبعض المخالفات تسهيلا للحصول على الادلة وعدم ضياع آثارها وهي مخالفات بوجه عام لا تجرح الشعور العام وتنصرف إلى أمور مالية.
الثانية محاضر يعتبر مضمونها صادقا حتى يقوم الدليل على عكسه كما هو الحال فيما يتعلق بغالبية الجرائم الجنحية.
الثالثة محاضر لا قوة الزامية لها أمام القضاء وهي ليست أكثر من تقارير ومعلومات كما هو الحال في محاضر الضابطة العدلية في الجرائم الجنائية.
وحيث أنه بصدد المخالفات الجمركية فقد عمد المشرع إلى تخطي نسبي للقواعد العامة الملمع اليها
فقد نصت المادة 310 من قانون الجمارك على ما يلي يذكر في محاضر الضبط تاريخ الحجز (العام والشهر واليوم والساعة) ومكانها وظروفها وأسماء الحاجزين وصفتهم والمكتب والمركز التابعين له ونوع الاشياء المحجوزة ووزنها وعددها أو كميتها وحضور الفريق الثاني عند وصف الاشياء المحجوزة…
وان النص الفرنسي وهو الاصل ورد على النحو التالي

والترجمة الصحيحة توجب أن يكون النص العربي الملمع إليه أعلاه على الوجه التالي
يذكر في محاضر الضبط تاريخ الحجز ومكانه وظروفه وبما يفيد أن غرض النص ينصرف إلى أهمية الحجز وبما يوجب اعمال الدقة في اجراءاته وذكر ذلك في المحضر للتعبير عن سلامتها. وليس مكانها وظروفها والتي قد تثير الشك بصرف المعنى إلى الضبط مع أن هذا لم يكن يهدف إليه النص ولا غرض المشرع.
ومن ثم فقد نصت المادة 311 من القانون المذكور تعقيبا على تقييم القوة الثبوتية لمثل ذلك المحضر على ما يلي
تعتبر محاضر الضبط المحررة على هذا الشكل إلى أن يدعى تزويرها.
الاصل الفرنسي ورد على النحو التالي
والجدير بالملاحظة ان عبارة ترجمتها الحرفية هكذا حررت بما يفيد التقييد بصيغة النص.
كما نصت المادة 315 من ذات القانون على ما يلي
يمكن ملاحقة واثبات المخالفات المنصوص عليها في القرارات والنصوص المتعلقة بالجمارك بمختلف الطرق القانونية حتى ولو لم تجر أية مصادرة داخل نطاق الجمارك أو خارجه.
وحيث أنه يستفاد من النصوص المشار اليها أعلاه والنصوص الاخرى التي ترتبط بها واحتواها القانون ان التحقيق في المخالفات الجمركية وفي ما له صلة بالموضوع المختلف عليه انما يتم على صورتين
الاولى بصورة تنظيم محضر ضبط بحجز البضاعة وهي الحالة الخاصة التي تتناول عادة المخالفات الجمركية المشهودة وما يدخل في حكمها وتلك التي تقترن بحجز البضاعة وهي حالة أحاطها المشرع بقواعد خاصة تشذ عن القواعد العامة المقررة في التحقيق والاثبات وذلك رغبة منه في تسهيل مهمة ادارة الجمارك في قمع أعمال التهريب والغش نظرا لما لهذه المخالفات من أثر على الاقتصاد القومي. ولهذا أعطى لها قوة ثبوتية كاملة وحصانة تامة قابلها بفرض اتباع إجراءات دقيقة عند تنظيم تلك المحاضر هدف منها صون حرية الافراد وعدم العبث بحقوقهم.
الثانية بصورة تنظيم محضر ضبط تحقيق بالطرق العادية وذلك عندما لا يكون هناك حجز للبضاعة.
وحيث ان الصورة الاولى السالف بيانها هي التي تحكمها المواد 310 – 314 من قانون الجمارك وأبرز خاصة فيها الأخذ بقوتها الثبوتية المطلقة في نطاق الوقائع المادية فيما عاينه ضابطو المخالفة بأنفسهم وبحواسهم الذاتية إلى ان يدعى بتزويرها اصولا وامام المرجع الجزائي المختص على النحو الذي تنص عليه المواد الآنفة الذكر.
أما الصورة الثانية فهي التي تراعى بشأنها القواعد العامة في الاثبات في القضايا الجزائية وبمعنى أدق فلا حاجة للادعاء بالتزوير لدحض ما ورد فيها.
وحيث أن وجهة النظر هذه في قصر وجيبة الادعاء بالتزوير على محاضر الضبوط التي تدخل في الصورة الاولى أي تلك التي اقترنت بالحجز انما هي مستمدة من حقيقة النص في المادة 311 الآنفة الذكر ومن عبارة تعتبر محاضر الضبط المحررة على هذا الشكل على أساس أنها معطوفة على نص المادة 310 السابقة لها والتي تتعلق بمحاضر مقترنة بالحجز وقد سبق تفصيل هذا أعلاه.
وحيث انه لئن كان الاجتهاد القضائي مستقر على أن الادعاء بوقوع الاكراه بما أدى لانتزاع الاقرار من المخالف من شأنه أن يزلزل الثقة التي أولاها القانون لموظف الجمارك وهو في حقيقته يعني وقوع تحريف في وقائع محضر ضبط المخالفة ولا بد من الادعاء بالتزوير لهدر القوة الثبوتية التي يتحلى بها المحضر بصدد الواقعة المذكورة.
إلا أن هذا واعتمادا على وجهات النظر المسوقة أعلاه اضحى تطبيق ما ذكر مقصورا على المحاضر التي تتحلى بالصفات والقيود المقررة في المادة 310 من قانون الجمارك ومنها أن تكون مقترنة بالحجز.
وحيث أنه من مراجعة محضر ضبط المخالفة محل هذه الدعوى يتبين انه لم يقترن بالحجز للبضاعة المهربة وهذا يعني أن ما ورد فيه مما يصح دحضه بمختلف طرق الاثبات المقبولة قانونا ولا حاجة للادعاء بالتزوير بالصورة المقررة في قانون الجمارك.
وحيث أن وضع البضاعة في الدار على النحو المشار إليه في غياب المخالف ولبضع ساعات دون موافقته ولا علم منه ومن ثم نقلها مما لا يؤلف الايداع المقصود والذي يعبر عن مساهمته بالمخالفة والاشتراك فيها على النحو المقرر في المادة 339 من قانون الجمارك نظرا لان الايداع عقد لا بد فيه من تلاقي ارادة الطرفين صراحة أو ضمناً وهذا ما لم تتوفر حاله بالنسبة للمطعون ضده المذكور. لذلك يكون استبعاد المطعون ضده من المسؤولية عن المخالفة يلاقي محله القانوني والحكم في محله القانوني ورفض الطعن.
(نقض رقم 4 أساس 44 تاريخ 14 / 1 / 1976)