الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 99

الاعمال التحضيرية:
ورد نص هذه المادة في المشروع التمهيدي تحت رقم 142 وجاء فيها:
1 ـ إذا كانت طبيعة التعامل، أو العرف التجاري، أو غير ذلك من الظروف، تدل على أن الموجب لم يكن لينتظر قبولاً صريحاً، فإن العقد يعتبر قد تم، إذا لم يرفض الإيجاب في وقت مناسب.
2 ـ وفي هذه الحالة، يعتبر بوجه خاص، السكوت عن الرد قبولاً، إذا كان هناك مقابل سابق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل، أو إذا تمخض الإيجاب لمنفعة من وجّه إليه. ويكون كذلك سكوت المشتري بعد أن يتسلم البضائع التي اشتراها قبولاً لما ورد في الفاتورة من شروط.

المشروع في لجنة المراجعة:
تليت المادة 142 من المشروع. وبعد المناقشة وافقت اللجنة على إدخال تعديلات لفظية، فأصبح نصها:
1 ـ إذا كانت طبيعة المعاملة، أو العرف التجاري، أو غير ذلك من الظروف، تدل على أن الموجب لم يكن لينتظر تصريحاً بالقبول، فإن العقد يعتبر قد تم، إذا لم يرفض الإيجاب في وقت مناسب.
2 ـ ويعتبر السكوت عن الرد قبولاً إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل، أو إذا تمخض الإيجاب لمنفعة من وجّه إليه. وكذلك يعتبر سكوت المشتري بعد أن يتسلم البضائع التي اشتراها قبولاً لما ورد في الفاتورة من شروط.
وأصبح رقم المادة 100 في المشروع النهائي.
ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل.

المشروع في مجلس الشيوخ:
محضر الجلسة الثانية: تليت المادة 100 التي تحكم المعاملات التجارية. فتساءل العشماوي باشا ألا يجوز ترك ذلك للقاضي.
فأجاب الدكتور بغدادي أن هذه المادة تتناول السكوت على اعتبار أنه تعبير عن الإرادة. وضرب أمثلة بالمعاملات التي تحدث يومياً بين المخابز ومحلات بيع اللبن وبين الأهالي. وقال أن التعامل السابق قرينة على القبول في تعامل لاحق.
ـ محضر الجلسة الرابعة: المادة 100 ـ لم تكن اللجنة قد انتهت من بحث المادة المائة، وبعد أن فُهِم مدلولها من شرح الحكومة لها اعترض العشماوي باشا على الجزء الأخير من الفقرة الثانية، وهو «وكذلك يعتبر سكوت المشتري بعد أن يتسلم البضائع التي اشتراها قبولاً لما ورد في الفاتورة من شروط» وقال أنه من الجائز أن يتسلم المشتري البضائع، ثم يجد بعد ذلك أن الفاتورة تحتوي على شروط مجحفة. فإذا كان المفروض أن البضاعة تسلم مع الفاتورة، كما يقول بذلك الدكتور حسن بغدادي، فيجب أن يُبيّن هذا في المادة. واقترح إضافة عبارة «متى كان قد اطلع عليها عند التسليم» في آخر الفقرة الثانية من المادة المذكورة.
فتساءل الرئيس: ألا تغني الفقرة الأولى من المادة مائة عن عبارة «وكذلك يعتبر سكوت المشتري بعد…الخ..» الواردة في آخر الفقرة الثانية من المادة المذكورة. فأجاب الدكتور بغدادي بأن الفقرة الثانية تتضمن تطبيقات واضحة، وكلما كانت التطبيقات واضحة كلما كانت أدنى إلى الفهم. وعلى العموم فلا ضرر من إيراد النص على هذا الوضع. فعقب على ذلك الرئيس بأن قال أنه يحسن أن يضمّن تقرير اللجنة تلك التطبيقات على أن يكون من الأعمال التحضيرية للمشروع.
فاعترض على ذلك الشيخ جمال الدين أباظة بك بأن تقرير اللجنة غير ملزم للقاضي.
وقد اقترح أن يكون موضوع هذه المادة الباب الخاص بعقد البيع، لأنها تتكلم عن سكوت المشتري بصفة خاصة. فرد الدكتور بغدادي على هذا الاقتراح بأن هذه المادة تتضمن قواعد عامة تنطبق على جميع العقود. وأضاف الرئيس إلى ذلك أن هذه المادة خاصة بتلاقي الإرادتين ويمكن قصرها على الحكم الوارد في الفقرة الأولى. وإذا كان هذا لا يمكن فإن سعادته يقترح حذف عبارة «وكذلك يعتبر سكوت المشتري… الخ..» الواردة في آخر الفقرة الثانية.
وتلاه العشماوي باشا، فقال أنه نظراً لأن المادة المائة تقيد القبول الضمني، فإنه يقترح إما استبقاء المادة كلها باعتبارها تعرض صوراً غالبة في القبول الضمني مع إضافة «متى قد اطلع عليها عند التسليم» في آخر الفقرة الثانية منها. وإما حذفها، لأن الفن التشريعي يقتضي ذلك. وقد سبق القول أن القبول الضمني لا يحتاج إلى نص، وبالتالي لا نحتاج إلى نصوص لعرض بعض صوره. وأنه يحسن ترك ذلك لاجتهاد القاضي.
فأجاب الدكتور بغدادي بأن هذه المادة تتكلم عن السكوت باعتباره تعبيراً عن الإرادة، وتقرر بوجه خاص أن السكوت المجرد لا يعتبر تعبيراً عن الإرادة إلا إذا اقترن بما يدل على الرضا. وهو ما يعبر عنه السكوت الملابس. وهذا فضلاً عن الحالات التي يعطي فيها القانون السكوت وضعاً خاصاً.
وقد وضح الرئيس القاعدة الشرعية في زواج البكر بأنها إذا سكتت يعتبر سكوتها قبولاً، أما الثيب إذا سكتت فلا بد أن تعرب عن رأيها.
فقال العشماوي باشا إن هذه المادة لم تأت بجديد للقاضي لأن المسألة تقديرية.
وكان رد عبده محرم بك والدكتور بغدادي أن المادة تضمنت ضوابط وقواعد ليحكم القاضي على هداها فيما يعرض له. واستشهد محرم بك على ذلك بما جاء في المذكرة التفصيلية للمشروع الأصلي ص32 وما بعدها. فقد ذكرت أنه ينبغي التفريق بين التعبير الضمني عن الإرادة وبين مجرد السكوت. فالتعبير الضمني وضع إيجابي، أما السكوت فهو مجرد وضع سلبي. وقد يكون التعبير الضمني، بحسب الأحوال، إيجاباً أو قبولاً. أما السكوت فمن الممتنع، على وجه الإطلاق، أن يتضمن إيجاباً، وإنما يجوز في بعض فروض استثنائية أن يعتبر قبولاً. وقد تناول نص هذه المادة هذه الفروض ووضع للقاضي ضابطاً مرناً يهيء له أداة عملية للتوجيه قوامها عنصران: أولهما التثبت من عدم توقع أي قبول صريح، وهذه الواقعة قد تستلخص من طبيعة التعامل، أو من عرف التجارة وسننها، أو من ظروف الحال. والثاني التثبت من اعتصام من وجّه إليه الإيجاب بالسكوت فترة معقولة. وقد أوردت المادة تطبيقات ثلاثة لهذا الضابط، أحدها وهو الخاص بتمخض الإيجاب لمنفعة من وجه إليه يتعلق بطبيعة التعامل الخاصة. والتطبيقان الآخران، وهما الخاصان بقيام تعامل سابق بين المتعاقدين وبالشروط الواردة في الفاتورة، يتصلان بعرف التجارة وسننها وغير ذلك من الظروف. ويستخلص من دراسة مختلف المذاهب ومقارنتها في النصوص التشريعية وأحكام القضاء، أن مجرد السكوت البسيط لا يعتبر إفصاحاً أو تعبيراً عن الإرادة، أما السكوت الموصوف فهو الذي يعرض حيث يفرض القانون التزاماً بالكلام فلا يثير إشكالاً ما، لأن القانون نفسه يتكفل بتنظيم أحكامه وليس يبقى بعد ذلك سوى السكوت الملابس وهو ما تلابسه ظروف يحل معها محل الإرادة فهو وحده الذي يواجه النص محتذياً في ذلك حذو أحدث التقنينات وأرقاها.
وقد أخذ القضاء المصري بحلول تشابه الحلول التي تقررها المادة المائة. فالأصل عنده أن السكوت وحده، مجرداً من أي ظرف آخر، لا يعتبر قبولاً؛ ولكن قد يستخلص القبول من ظروف معينة تلابس السكوت، كقيام تعامل سابق بين العاقدين. ويجوز أن يكون السكوت بمنزلة القبول، لا بالنسبة لإتمام العقد فحسب، بل كذلك بالنسبة لإلغائه، أو الإقالة منه. ويجوز أن يجعل عرف التجارة للسكوت شأن القبول، بمعنى أنه لا يجوز المنازعة في بيع يعتبر في عرف السوق تاماً وفقاً للشروط المدونة في بطاقة أو مذكرة لم يردّها العاقد من فوره متى كان هذا العرف يفرض على من يطلب نقض البيع بعد فوات الوقت أن يقيم الدليل على عدم إنعقاد العقد وهو دليل لا يسوغ للعاقد أن يستخلصه من إهماله وخطئه الشخصي.
وهنا أعلن الرئيس أنه توجد ثلاثة اقتراحات. الأول، بحذف المادة. والثاني، ببقائها مع إضافة عبارة «متى كان قد اطلع عليها عند التسليم» في آخر الفقرة الثانية من المادة. والثالث، ببقائها مع حذف عبارة «وكذلك يعتبر سكوت المشتري بعد أن يتسلم البضائع قبولاً لما ورد في الفاتورة من شروط» من الفقرة الثانية.

أخذ الرأي:
فأخذ الرئيس الرأي على تلك الاقتراحات، فكان في جانب الاقتراح الثالث الشيوخ: رئيس اللجنة، وجمال الدين أباظة بك، والأستاذ حسن عبد القادر. وفي جانب الحذف الشيخين: محمد حسن العشماوي باشا، ومحمد حلمي عيسى باشا. أما الشيخ أحمد رمزي بك فكان رأيه تأجيل أخذ الرأي على تلك المادة حتى يفصل في أمر المادة 93.

قرار اللجنة:
وعلى ذلك قررت اللجنة بأغلبيتها بقاء المادة مائة مع حذف عبارة «وكذلك يعتبر سكوت المشتري… الخ..» من آخر الفقرة الثانية منها. باعتبار هذا الجزء المحذوف من الأحوال العامة التي يشتمل عليها القانون المدني.

تقرير اللجنة:
حذفت اللجنة الجملة الأخيرة في الفقرة الثانية ونصها:
«وكذلك يعتبر سكوت المشتري بعد أن يتسلم البضائع التي اشتراها قبولاً لما ورد في الفاتورة من شروط» لأنها تواجه تطبيقاً يحسن أن يترك فيه التقدير للقضاء في كل حالة بخصوصها.
وأصبح رقم المادة 98.
وافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها اللجنة.

مذكرة المشروع التمهيدي:
1 ـ ينبغي التفريق بين التعبير الضمني عن الإرادة، وبين مجرد السكوت. فالتعبير الضمني وضع إيجابي، أما السكوت فهو مجرد وضع سلبي. وقد يكون التعبير الضمني، بحسب الأحوال، إيجاباً أو قبولاً. أما السكوت فمن الممتنع، على وجه الإطلاق، أن يتضمن إيجاباً، وإنما يجوز في بعض فروض استثنائية أن يعتبر قبولاً. وقد تناول النص هذه الفروض، ونقل بشأنها عن تقنين الالتزامات السويسري ضابطاً مرناً، يهيء للقاضي أداة عملية للتوجيه قوامها عنصران: أولهما التثبت من عدم توقع أي قبول صريح، وهذه الواقعة قد تستلخص من طبيعة التعامل، أو من عرف التجارة وسننها، أو من ظروف الحال. والثاني من اعتصام من وجه الإيجاب إليه بالسكوت فترة معقولة. وقد أورد المشروع تطبيقات ثلاثة لهذا الضابط. الأول، وهو الخاص بتمخض الإيجاب لمنفعة من وجه إليه، يتعلق بطبيعة التعامل الخاصة. والتطبيقان الآخران، وهما الخاصان بقيام تعامل سابق بين المتعاقدين وبالشروط الواردة في الفاتورة، يتصلان بعرف التجارة وسننها وغير ذلك من الظروف.
2 ـ ويراعى بالنسبة لهذه العقود، أن انقضاء الميعاد المعقول أو المناسب هو الذي يحدد وقت تحقق السكوت النهائي، الذي يعدل القبول ويكون له حكمه، وفي هذا الوقت يتم العقد. أما فيما يتعلق بمكان الإنعقاد، فيعتبر التعاقد قد تم في المكان الذي يوجد فيه الموجب عند انقضاء الميعاد المناسب، إذ هو يعلم بالقبول في هذا المكان.
3 ـ ولم تعرض التقنينات اللاتينية، فيما عدا استثناءات خاصة، لقيمة السكوت كطريق من طرق التعبير عن الإرادة. بيد أن التقنينات الجرمانية، وغيرها من التقنينات التي تأثرت بها، تورد على النقيض من ذلك أحكاماً وافية في هذا الشأن. ويستخلص من دراسة مختلف المذاهب ومقارنتها في النصوص التشريعية وأحكام القضاء، أن مجرد السكوت البسيط لا يعتبر إفصاحاً أو تعبيراً عن الإرادة. أما السكوت «الموصوف»، وهو الذي يعرف حيث يفرض القانون التزاماً بالكلام، فلا يثير إشكالا ما، لأن القانون نفسه يتكفل بتنظيم أحكامه. وليس يبقى بعد ذلك سوى السكوت «الملابس» وهو ما تلابسه ظروف يحل معها محل الإرادة، فهو وحده الذي يواجه النص، محتذياً في ذلك حذو أحدث التقنينات وأرقاها.
4 ـ وقد أخذ القضاء المصري بحلول تشابه الحلول التي يقررها النص. فالأصل عنده أن السكوت وحده، مجرداً من أي ظرف آخر، لا يعتبر قبولاً، ولكن يجوز أن يستخلص القبول من ظروف معينة تُلابس السكوت، كقيام تعامل سابق بين المتعاقدين (استئناف مختلط 18 نوفمبر سنة 1925 ب38 ص56). ويجوز أن يكون السكوت بمنزلة القبول، لا بالنسبة لإتمام العقد فحسب، بل وكذلك بالنسبة لإلغائه أو الإقالة منه (استئناف مختلط 11 ابريل 1917 ب29 ص358). ويجوز أن يجعل عرف التجارة للسكوت شأن القبول. وتفريعاً على ذلك قضى بأنه «لا تجوز المنازعة في بيع يعتبر في عرف السوق تاماً، وفقاً للشروط المدونة في بطاقة أو مذكرة لم يردّها العاقد من فوره. متى كان هذا العرف يفرض على من يطلب نقض البيعع بعد فوات الوقت، أن يقيم الدليل على عدم إنعقاد العقد. وهو دليل لا يسوغ للعاقد أن يستخلصه من أهماله أو خطئه الشخصي» (استئناف مختلط 12 فبراير سنة 1930 ب42 ص272). ولا يكون للسكوت دلالة القبول إلا إذا عرض في وضع يستتبع حمله على محمل الارتباط الباتّ. وقد حكم بأن السكوت أكثر من ثمانية أيام إزاء إيجاب اشترط فيه البائع شرطاً لقبول ما عرض عليه المشتري من قبل، لا يمكن أن يستفاذ منه قبول المشتري لهذا الإيجاب الأخير، واعتبار الصفقة تامة بصفة نهائية على أساس هذا القبول. فليس يمكن أن تختتم مفاوضات استمرت أسابيع عدة، إلا برد كتابي دقيق واضح. ويجب أن يحصل الرد في ميعاد قصير، إذا تعلق البيع بسلعة متغير سعرها ونبه البائع المشتري إلى رغبته في الوقوف على ما ينويه على وجه الاستعجال. ومثل هذا الرد ألزم عند تطابق الإيجاب الصادر من البائع مع إيجاب بالشراء سبق له رفضه (محكمة اسكندرية التجارية 6 ديسمبر سنة 1926 جازيت 17 ص286).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *