الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 140

الاعمال التحضيرية:
وردت هذه المادة في المشروع التمهيدي برقم 198 وبالنص التالي:
1 ـ العقدد الباطل بطلاناً نسبياً تصححه الإجازة الصريحة، كما تصححه الإجازة الضمنية. وتتحقق الإجازة على الأخص إذا نفذ العقد مختاراً من له الحق في طلب البطلان وهو عالم بذلك. ويشترط لإجازة العقد أن تتوافر فيه، وقت الإجازة، الشروط اللازمة لصحته، وأن تكون الإجازة ذاتها خالية من كل عيب.
2 ـ وتنسحب الإجازة إلى التاريخ الذي تم فيه العقد، دون إخلال بحقوق الغير.

المشروع في لجنة المراجعة:
تليت المادة 198 من المشروع. واقترح تحوير النص تحويراً لفظياً لوحظ فيه توخي الدقة في التعبير عن المعنى، فوافقت اللجنة وأصبح النص كما يأتي:
1 ـ حق إبطال العقد يزول بالإجازة الصريحة أو الضمنية. وتتحقق الإجازة على الأخص إذا كان من له حق الإبطال قد نفذ العقد مختاراً وهو على بينة من الأمر. ويشترط لإجازة العقد أن يتوافر فيه، وقت الإجازة، الشروط اللازمة لصحته، وأن تكون الإجازة ذاتها خالية من كل عيب.
2 ـ وتستند الإجازة إلى التاريخ الذي تم فيه العقد، دون إخلال بحقوق الغير.
وأصبح رقم المادة 143 في المشروع النهائي.

المشروع في مجلس الشيوخ:
محضر الجلسة الحادية عشرة: تليت المادة 143 وهذا نصها:
1 ـ حق إبطال العقد يزول بالإجازة الصريحة أو الضمنية. وتتحقق الإجازة على الأخص إذا كان من له حق الإبطال قد نفذ العقد مختاراً وهو على بينة من الأمر. ويشترط لإجازة العقد أن يتوافر فيه، وقت الإجازة، الشروط اللازمة لصحته، وأن تكون الإجازة ذاتها خالية من كل عيب.
2 ـ وتستند الإجازة إلى التاريخ الذي تم فيه العقد، دون إخلال بحقوق الغير.
قررت هذه المادة في الفقرة الأولى قاعدة عامة وهي أن حق إبطال العقد يزول بالإجازة الصريحة أو الضمنية. وأوردت تطبيقاً لها يتحصل في أن الإجازة تتحقق على الأخص إذا كان من له حق الإبطال قد نفذ العقد مختاراً وهو على بينة من الأمر.
وقد أثار هذا التطبيق اعتراض اللجنة، إذ رأت عدم لزومه، لأن في القاعدة العامة الكفاية فهي تمكن القاضي من تطبيقها في كل مسألة بحسب ظروفها.
وقد اقترح الرئيس الاقتصار على هذه القاعدة العامة، وحذف باقي الفقرة الأولى. وأيده في ذلك باقي الأعضاء.
وردت الحكومة على هذا الاعتراض بأن المشروع يلجأ إلى ذكر التطبيق في المسائل التي تكون مهمة أو خفية، ولا ضرر من الإبقاء على هذا الجزء من الفقرة الأولى.
ثم انتقلت اللجنة إلى الجزء الباقي من الفقرة، وهي التي تتكلم عن شروط الإجازة من حيث خلوها من كل عيب ومن حيث توفر الشروط اللازمة لصحة العقد عند الإجازة.
فتساءل الأعضاء عن العيوب التي ترد على الإجازة. فأجابت الحكومة بألا تكون نتيجة إكراه أو غلط، ولأن الإجازة هي في الواقع تصرف إرادي فيجب أن تكون خالية من كل عيب.
أما اشتراط صحة العقد وقت الإجازة فلا لزوم لذكره لأنه من القواعد العامة. فالإجازة لا تلحق إلا العقد الصحيح. هذا كان رأي حضرات الأعضاء، ولكن الحكومة بينت للجنة أن المقصود بذلك أن إجازة العقد لسبب من الأسباب لا تمنع من طلب البطلان إذا تكشف عن سبب آخر.
فقيل للنائبين عن الحكومة أن القاضي يمكنه أن يتبين إذا كانت الإجازة شاملة أو قاصرة، ومع ذلك فستضمن اللجنة في تقريرها «أن المفهوم من هذا النص أنه أريد به ألا تكون الإجازة مصححة لكل عيوب العقد وإنما تقتصر آثارها على العيب الذي أريد إجازته، دون الإخلال بحق التمسك بالبطلان لعيب آخر غير الذي صحح الإجازة». ومن رأي اللجنة أن المسألة لا تحتاج إلى نص، وإنما يرجع فيها إلى القواعد العامة في قصر الرضا على ما قصد منه.

قرار اللجنة:
وافقت اللجنة على ذلك وعلى أن تكون الفقرة الأولى من المادة كما يأتي:
«يزول حق إبطال العقد بالإجازة الصريحة أو الضمنية».
وبعد ذلك انتقلت اللجنة إلى الفقرة الثانية من المادة فانتقدها الرئيس. وتساءل كيف تخل الإجازة بحقوق الغير.
فأجاب الدكتور بغدادي أن ذلك يتحقق في حالة شخص باع منزله مرتين مثلاً ورأى إجازة العقد الأول من البطلان، فالمشتري الثاني تجب حمايته لأن التصرف الثاني يعتبر تنازلاً عن حق الإجازة، ولذلك يجب عدم نفاذ الإجازة في حق المشتري الثاني.
فعاد الرئيس وقال أن تقرير هذه القاعدة إخلال بحقوق الشخص حسن النية.
وبعد مناقشة، تقرر إرجاء البت في هذه الفقرة إلى الجلسة القادمة.
ـ الجلسة الثانية عشرة: انتقلت اللجنة إلى متابعة مناقشة الفقرة الثانية من المادة 143، فقال علوبة باشا أن هذه الفقرة واجبة لأن الغرض منها حماية حسني النية. وقد أيده العشماوي باشا قائلاً أنه بهذه الفقرة نحمي التصرفات الصحيحة بعد زوال العيوب. فإذا لم تحمَ يكون الموقف عجيباً. ورأى سعادته أن القاصر متى أجاز التصرف ينفذ العقد.
فاعترض حلمي عيسى باشا على بقاء الفقرة قائلاً إذا فرضنا أن قاصراً باع ملكاً لزيد، وبعد أن بلغ رشده باعه لبكر، ثم بعد ذلك أجاز البيع لزيد، فما دامت الإجازة ترجع إلى تاريخ البيع لزيد فليس لبكر الحق مطلقاً في مطالبة المشتري الأول الذي أجيز بيعه، لأنه إذا كان هناك خطأ فهو واقع من جانب البائع أما المشتري الأول فلا ينسب إليه خطأ بعد إجازة عقده، وجواز هذا التصحيح قانوناً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا كان التصرف الذي أبرمه وهو بالغ رهناً، فالرهن يتبع العين، ولا يجوز في رأيي أن يتبع العين في هذه الحالة، ولا يؤاخذ به المشتري زيد الذي صحح عقده بالإجازة طبقاً لأحكام القانون. والاعتراض الآخر الذي يقوم في ذهن سعادته أنه مع بقاء الفقرة الخاصة بعدم الإخلال بحقوق الغير بعد قبول مبدأ جعل الإجازة تستند إلى تاريخ العقد، فيه إباحة لتصرفين من شخص بالغ رشيد، وهذا يخالف أحكام قانون العقوبات التي تنص على عقاب من يبيع مرتين.
فعاد علوبة باشا إلى تأييد فكرته قائلاً أن العقد الصادر عن القاصر وقت أن كان قاصراً إما أن تحكم المحاكم بصحته دون تدخل من القاصر، وإما أن يجيزه ذلك القاصر. فالصحة هنا لحقت العقد عن طريق الإجازة.
واستطرد فقال أن الوضع الذي تعالجه المادة يطبق عملياً ولا شائبة فيه من الناحية القانونية. فالقاصر الذي يبيع لزيد ويكون معروفاً لدى الكافة أنه قاصر، له الحق المطلق في إبطال هذا العقد عند بلوغه سن الرشد، وله الحق في إظهار هذه الرغبة بالبيع لعمرو، ولا يمكن الطعن على هذا البيع الأخير بتواطؤ القاصر مع عمرو، وذلك لأن القانون أعطاه هذا الحق. وإذا فرض، مع وجود هذا الحق للقاصر، أنه لم يبع عقاره لعمرو بل رهنه له بعقد مسجل ثم أجاز تصرفه السابق لزيد، فإن صحة هذا التصرف تستند إلى الإجازة ولا تستند إلى العقد، غير أن الإجازة هنا تكون باطلة لانتفاء محلها، ومع ذلك فإن لها أثراً رجعياً بين القاصر وزيد الذي يعتبر مالكاً للعقار بالإجازة من يوم العقد.
وذكر سعادته أيضاً أنه إذا فرض وباع القاصر عقاره مرة ثانية بيعاً باتاً بعد بلوغه سن الرشد، عوضاً عن رهنه، ووضع المشتري الثاني يده على العقار وانتفع به، فللمشتري الأول الحق في المطالبة بالريع. وانتهى سعادته من ذلك إلى القول بوجوب بقاء الفقرة الثانية.

قرار اللجنة:
وأخيراً أخذ الرأي فوافقت أغلبية اللجنة على بقاء الفقرة الثانية. وكان من رأي معالي حلمي عيسى باشا حذف عبارة «دون إخلال بحقوق الغير». وأما سعادة الرئيس فكان من رأيه استبدال عبارة «دون إخلال بالحقوق الأخرى» بعبارة: «دون إخلال بحقوق الغير».

تقرير اللجنة:
حذفت من الفقرة الثانية عبارة «وتتحقق الإجازة عن الأخص..» إلى آخر ما جاء في هذه الفقرة، باعتبار أن في القواعد العامة ما يغني عن إيرادها.
ـ وأصبح رقم المادة 139.
ـ محضر الجلسة الثانية والستين: يقترح حضرات مستشاري محكمة النقض والإبرام أن يضاف إلى الفقرة الأولى من المادة 139 ما يأتي: «ويشترط في الإجازة أن تكون خالية من العيوب التي شابت العقد وصادرة عن بينة».

قرار اللجنة:
لم تر اللجنة الأخذ بهذا الاقتراح، لأن في القواعد العامة ما يغني عن مثل هذه الإضافة دون أن يكون هناك محل لاختلاف في التفسير أو التأويل.
ـ وافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها اللجنة.

مذكرة المشروع التمهيدي:
(مذكرة المشروع التمهيدي للمادة 143)
1ـ ترد أسباب البطلان المطلق إلى تخلف ركن من أركان العقد، كعدم توافر الأهلية إطلاقاً، يفقدان التمييز وإنعدام الإرادة تفريعاً على ذلك، أو كانتفاء الرضاء أو عدم وجود المحل حقيقية أو حكماً. وغني عن البيان أن تخلف ركن من أركان العقد، في حكم الواقع أو حكم القانون، يحول دون إنعقاده أو وجوده. هذا هو ما يقصد بالبطلان المطلق.
2ـ أما البطلان النسبي فهو يفترض قيام العقد أو وجوده من حيث توافر أركانه، ولكن ركناً من أركانه هو الرضاء يفسد بسبب عيب بداخله، أو بسبب نقص أهلية أحد العاقدين. ولذلك يكون العقد قابلاً للإبطال، بمعنى أنه يبطل إذا طلب ذلك من شرع البطلان لمصلحته، وهو من داخل رضاه العيب، أو من لم تكتمل أهليته. ومن الجلي أن قابلية العقد للبطلان إنما تمثل العقد في مرحلتين متتابعتين: الأولى مرحلة الصحة، وينتج فيها العقد جميع آثاره. والثانية مرحلة البطلان، ويعتبر العقد فيها باطلاً لا حكم له من وقت نشوئه. فليست ثمة مراحل ثلاث: الصحة، والقابلية، البطلان النسبي. وإنما توجد مرحلتان: الصحة، والبطلان.
3ـ وقد يقرر البطلان المطلق أو النسبي بمقتضى نص خاص في القانون، كما هو الشأن في أحكام المادتين 631 و 632 من المشروع. إذ تنص أولى هاتين المادتين على بطلان رهن الحيازة في العقار بطلاناً مطلقاً إذا جعل من بيع الوفاء عقد ساتر له. فرغم أن الصورية لا تعتبر بمجردها سبباً للبطلان، طبقاً للقواعد العامة، إلا أن القانون قد قصد إلى تحريمها في هذه الحالة بالذات وجعل من النهي أمراً يتعلق بالنظام العام، وأقام البطلان جزاء للخروج عليه. أما المادة الثانية فتتضمن صورة من صور البطلان النسبي الذي ينشأ بنص خاص، إذ تقضي ببطلان بيع ملك الغير. فقابلية البيع للبطلان في هذه الحالة لا ترد إلا عيب في الرضاء أو نقص في الأهلية. ولكن القانون يخول المشتري حق التمسك بالبطلان، إزاء ما هو ملحوظ من أن البائع يمتنع عليه أن يدلي لغيره بحق الملك فيما لا يملك.
4ـ وتظهر أهمية التفريق بين البطلان المطلق والبطلان النسبي من وجوده:
أ ـ فما دام البطلان المطلق يستتبع اعتبار العقد معدوماً، وليس ثمة محل للتفريق بين العقد الباطل والعقد المعدوم، فيجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بهذا البطلان ولو لم يكن طرفاً في التعاقد، كالمستأجر مثلاً في حالة بطلان بيع الشيء المؤجر بطلاناً مطلقاً. بل ويجوز للقاضي أن يحكم به من تلقاء نفسه. أما البطلان النسبي فلا يجوز أن يتمسك به إلا طرف من أطراف التعاقد الذي هو الطرف الذي يشرع البطلان لمصلحته، ويكون من واجبه أن يقيم الدليل على توافر سببه.
على أن التمسك بهذا البطلان لا يستلزم الترافع أمام القضاء، بل يكفي في ذلك، وفقاً لما استحدث المشروع من أحكام نقلها عن التقنين الألماني، تصريح يعلن إلى العاقد الآخر إعلاناً رسمياً. وعلى هذا العاقد أن يرفع الأمر إلى القضاء إذا أراد المنازعة في قيام البطلان.
بيد أن عبء إثبات البطلان يقع دائماً على عاتق من يتمسك به. وتتبع القاعدة نفسها، بل ويكون اتباعها أولى، فيما يتعلق بالبطلان المطلق. فإذا حكم بالبطلان المطلق، أو النسبي، استند أثره واعتبر العقد باطلاً من وقت نشوئه، دون أن يخل ذلك بما يكون الغير حسن النية قد اكتسب من حقوق عقارية سجلت قبل تسجيل إعلان التصريح بالبطلان في حالة البطلان النسبي. ويلتزم كل من المتعاقدين بأن يرد ما تسلمه بمقتضى العقد. ويستثنى من هذه القاعدة حالتان: أولاهما، حالة ناقص الأهلية، فهو لا يسأل عن الرد إلا وفقاً لقواعد الإثراء بلا سبب. والثانية، حالة وفاء أحد المتعاقدين بالتزام في عقد باطل لسبب مخالفته للآداب. فلا يجوز لمثل هذا المتعاقد أن يسترد ما أدى إذا نسب إليه ما يخالف الآداب. وعلى هذا النحو أبان المشروع وجه الحكم في مسألة أثير بشأنها خلاف شديد (انظر المادتين 1305 و 1306 من التقنين الاسباني، والمادة 692 من التقنين البرتغالي، والمادة 27 من المشروع الفرنسي الإيطالي، والمادتان 77 و 72 من التقنين التونسي والمراكش، والمادة 817 من التقنين الألماني، والمادة 66 من تقنين الالتزامات السويسري، والمادة 132 من التقنين البولوني، والمادة 971 من التقنين البرازيلي، والمادة 180 من التقنين الصيني، والمادة 147 من التقنين السوفييتي).
ب ـ وما دام البطلان المطلق يستتبع اعتبار العقد معدوماً، فلا يتصور إطلاقاً أن ترد عليه الإجازة. ويختلف عن ذلك حكم العقود القابلة للبطلان، فهي تصحح بالإجازة، ولو كانت ضمنية، بشرط أن تتوافر شروط صحتها وقت الإجازة (كبلوغ المتعاقد القاصر سن الرشد وقت الإجازة مثلاً)، وأن تكون الإجازة ذاتها منزهة عن العيب، إذ ينبغي أن تستكمل ما يلزم من الشروط لصحتها باعتبارها تصرفاً قانونياً. وإذا كان أثر الإجازة يستند أو ينعطف على الماضي، إلا أنها لا تضر بحقوق الغير. فلا تضر الإجازة مثلاً من يشتري عقاراً كان قد سبق لمالكه بيعه، إذا كان الشراء قد تم بعد صدور البيع الأول وقبل إجازة هذا البيع. ولما كان التدليس والإكراه من قبيل الأفعال الضارة التي تلحق بها صفة التقصير المدني، فيظل مرتكبها مسؤولاً عما وقع منه، بمقتضى القواعد العامة، رغم إجازة العاقد الآخر للتعاقد، ما لم تنطو الإجازة على إسقاط المسؤولية.
ج ـ وما دام العقد المطلق البطلان معدوماً، أو غير موجود، فلا يتصور أن يرد عليه التقادم. وعلى النقيض من ذلك ينعدم البطلان النسبي بانقضاء خمس عشرة سنة من تاريخ إنشاء العقد، أو بانقضاء ثلاث سنوات من تاريخ زوال نقص الأهلية، أو تبين الغلط أو التدليس، أو انقطاع سلطان الإكراه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *