الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 168

الأعمال التحضيرية:
وردت هذه المادة في المشروع التمهيدي تحت رقم 234 وبالنص التالي:
1 ـ لا يكون الموظف العام مسؤولاً عن عمله الذي أضر بالغير. إذا قام به تنفيذاً لأمر صدر إليه من رئيس تجب عليه طاعته أو من رئيس يعتقد أن الطاعة واجبة له.
2 ـ وعلى من أحدث الضرر أن يثبت أنه كان يعتقد مشروعية العمل الذي قام به. بأن يقيم الدليل على أنه راعى في ذلك جانب الحيطة، وأن اعتقاده كان مبنياً على أسباب معقولة.

المشروع في لجنة المراجعة:
تليت المادة وقرىء تعديل اقترحه معالي عبد العزيز فهمي باشا من شأنه أن يصحح المعنى المقصود وذلك بإبدال عبارة «من رئيس تجب طاعته أو من رئيس يعتقد أن الطاعة واجبة له» بعبارة «من رئيس نظامي متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه أو متى كان يعتقد أنها واجبة» وذلك لأن الرئيس ليس هو الذي تجب طاعته بل الأمر الذي صدر من هذا الرئيس هو الذي تجب له الطاعة فأقرت اللجنة هذا التعديل.
ـ وأصبح رقم المادة 171 في المشروع النهائي.
ـ وافق مجلس النواب على المادة دون تعديل تحت رقم 171.

المشروع في مجلس الشيوخ:
تليت المادة 171 فاعترض حلمي عيسى باشا على عبارة «من رئيس نظامي» الواردة في الفقرة الأولى منها واقترح حذف كلمة نظامي لأنها تزيّد.

قرار اللجنة:
وافق اللجنة على الفقرة الأولى مع حذف كلمة «نظامي».
ثم اعترض حلمي عيسى باشا على الفقرة الثانية أيضاً فقال أنها متناقضة مع الفقرة الأولى ورأى حذفها فاقترح الرئيس إدماج الفقرتين معاً حيث أنهما يتضمنان حكماً واحداً وقد أيد العشماوي باشا واقترح الصيغة الآتية للمادة 171 وهي:
«لا يكون الموظف العام مسؤولاً عن عمله الذي أضر بالغير إذا قام به تنفيذاً لأمر صدر إليه من رئيس متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه أو كان يعتقد أنها واجبة وأثبت أنه كان يعتقد مشروعية العمل الذي وقع منه وكان اعتقاده مبنياً على أسباب معقولة وأنه راعى في عمله جانب الحيطة».
وقد ذكر الدكتور بغدادي أن نص هذه المادة مأخوذ من المادة 63 من قانون العقوبات.

قرار اللجنة:
وافقت اللجنة على الصيغة الجديدة التي اقترحها العشماوي باشا.

تقرير اللجنة:
حذفت اللجنة كلمة «نظامي» من الفقرة الأولى لأنها تزيّد. وأدمجت الفقرة الثانية في الفقرة الأولى بعد أن عدلتها على الوجه الآتي: «وأثبت أنه كان يعتقد مشروعية العمل الذي وقع منه وكان اعتقاده مبنياً على أسباب معقولة. وأنه راعى في عمله جانب الحيطة» وقد توخت اللجنة في التعديل ألا تفصل بين شقي الحكم فصلاً يثير في الذهن أن الأمر لا يعدو مجرد الإثبات كما كان يفهم ذلك من النص قبل التعديل فالواقع أن المسؤولية لا ترتفع إلا إذا توافرت جميع العناصر التي يتضمنها النص.
ـ وأصبح رقم المادة 167.
ـ وافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها اللجنة.

مذكرة المشروع التمهيدي:
1 ـ تستظهر المواد من 223 إلى 532 سلسلة متصلة الحلقات من الأحكام تتناول تعيين أحوال ارتفاع المسؤولية والتخفيف منها، وقد درج الفقه على التفريق بين أحوال ارتفاع المسؤولية لانعدام رابطة السببية كما هو الشأن في السبب الأجنبي وأحوال ارتفاعها بسبب انتفاء الخطأ كما يقع ذلك في حال الدفاع الشرعي. وحالة صدور أمر من رئيس وحالة الضرورة. ومهما يكن من شأن هذه التفرقة فمن الأنسب من الناحية العملية أن تحشد هذه الأحوال المختلفة في صعيد واحد. باعتبار أن فكرة انتفاء المسؤولية تنتظمها جميعاً.
2 ـ ويقع عبء إثبات الخطأ على المضرور. وتكون القرائن القضائية عادة سبيله إلى التماس الدليل. بل إنه يسوغ لمن أحدث الضرر أن يثبت وجود السبب الأجنبي وينفي بذلك مسؤوليته، باستبعاد كل قرينة عليها. وللمحدثين من القضاء تحليل أدق في هذا الشأن. فمن رأيهم أن المضرور إذا أقام الدليل على المسؤولية بإثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما فلمن أحدث الضرر عندئذ أن يسقط الدليل على علاقة السببية هذه بإثبات السبب الأجنبي. ويكون هذا السبب بوجه عام حادثاً فجائياً أو قوة قاهرة ـ وليس ثمة محل للتفريق بينهما ـ أو خطأ وقع من المضرور أو من الغير. على أن هذا البيان غير وارد على سبيل الحصر. فقد يكون السبب الأجنبي عيباً لاصقاً بالشيء المتلف أو مرضاً خامر المضرور. هذا وقد يقضي نص في القانون بأن تبقى المسؤولية قائمة رغم القوة القاهرة كما هو الشأن في قانون سنة 1936 الخاص بحوادث العمل. وقد يقبل المدين بقاءه مسؤولاً مع وجود هذه القوة بمقتضى اتفاق خاص وبهذا قضت المادة 290 فقرة أولى من المشروع.
3 ـ ولمن أحدث الضرر كذلك أن يتنصل من تبعة عمله ويدفع المسؤولية عن نفسه رغم قيام الدليل على اجتماع عناصرها الثلاثة ـ وهي الخطأ والضرر ورابطة السببية ـ إذا أثبت توافر سبب من أسباب الإباحة وهي ثلاثة: الدفاع الشرعي، وصدور أمر من رئيس، والضرورة. أما حالة الدفاع الشرعي فقد عرفها التقنينان التونسي والمراكشي في المادة 104/95 بأنها «حالة يجبر فيها الشخص على العمل لدرء اعتداء حالّ غير مشروع موجه إلى شخصه أو ماله، أو موجه إلى شخص الغير أو ماله». فمن يقوم بالدفاع الشرعي، في مثل هذه الحالة، فأحدث ضرراً للمعتدي لا يكون مسؤولاً ولا يعتبر ما وقع منه خطأ يوجب المساءلة.
وقد نص التقنين الألماني صراحة على ذلك، فقضى في المادة 227 بأن «كل عمل يفرض على الشخص جبراً في سبيل الدفاع عن النفس، لا يعتبر مخالفاً للقانون». ولم يقتصر القانون البرتغالي على تخويل الشخص حق الدفاع عن نفسه فحسب بل جاوز هذه الحدود، وجعل من ذاك الدفاع واجباً يقع على عاتق من يشهد الاعتداء، وليس هذا الواجب مجرد واجب أدبي وإنما هو واجب قانوني تترتب عليه تبعات قانونية، وقد نصت المادة 2368 من هذا التقنين على أن «كل من يمتنع عن مقاومة عمل غير مشروع، وكان لا يعرض نفسه لخطر لو أنه قاومه، يسأل عن التعويض مسؤولية احتياطية». وبديهي أن المسؤولية لا ترتفع في حالة الدفاع الشرعي، إلا إذا كان من ألجىء إليه قد اقتصر على القدر اللازم لدفع الخطر في غير إفراط. فإذا جاوز هذا القدر، اعتبر ما وقع منه من قبيل الخطأ وقاسم المعتدي بذلك تبعة خطأ مشترك يتردد بينهما. وفي هذه الصورة يقضي للمضرور بتعويض عادل ولكنه تعويض مخفف، يقدره القاضي وفقاً لقواعد الخطأ المشترك.
4 ـ وترتفع المسؤولية كذلك إذا كان العمل الضار قد وقع تنفيذاً لأمر من رئيس إداري، لانتفاء الخطأ في هذه الصورة. ويشترط لإعمال هذا الحكم شرطان: فيجب أولاً، أن يكون محدث الضرر موظفتاً عاماً. ويجب ثانياً أن يكون العمل الضار قد وقع تنفيذاً لأمر صادر من رئيس إداري، ولو لم يكن الرئيس المباشر. وعلى من أحدث الضرر أن يقيم الدليل، لا على اعتقاده وجوب طاعة هذا الرئيس فحسب، بل وكذلك على اعتقاده وجوب تنفيذ الأمر الصادر عنه. وعليه كذلك أن يقيم الدليل على أن اعتقاده هذا كان مبنياً على أسباب معقولة وأنه راعى جانب الحيطة فيما وقع منه.
5 ـ ويراعى أخيراً، أن حالة الضرورة قد تستتبع التخفيف من المسؤولية أو نفيها، فهي تؤدي إلى التخفيف، إذا لم يكن للمضرور نصيب في قيامها. ويظل محدث الضرر مسؤولاً في هذه الحالة ولكنه لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً، باعتبار أنه ألجىء إلى ارتكاب العمل الضار، وقاية لنفسه أو لغيره من ضرر محدث أشد خطراً، فهو من هذه الناحية أسير تبعة وأخف وزيراً. أما الغير الذي وقع الضرر وقاية له، فيكون مسؤولاً قبل محدث الضرر أو قبل المضرور وفقاً لقواعد الإثراء بلا سبب. وينبغي التحرز في هذا المقام في التفريق بين حالة الضرورة وبين القوة القاهرة من ناحية، وبين هذه الحالة وحالة الدفاع الشرعي من ناحية أخرى. ففي حالة الضرورة يكون لمحدث الضرر مندوحة عن إحداثه، لو أنه وطن النفس على تحمل الضرر الذي كان يتهدده. أما القوة القاهرة فهي على النقيض من ذلك تلجىء إلى الإضرار إلجاء لا قِبَل للفاعل بدفعه. ثم إن الخطر الداهم الذي يقصد إلى توقيه في حالة الضرورة، لا يكون للمضرور يد في إحداثه ويختلف عن ذلك وضع المضرور في حالة الدفاع الشرعي فهو بذاته محدث ذلك الخطر. ويتفرع على ما تقدم أن حالة الضرورة قد تختلط بحالة الدفاع الشرعي إذا كان العمل الضار لم يدفع إليه خطر خارجي، وإنما استلزمه خطر صادر عن المضرور نفسه. ففي هذه الحالة تنتفي المسؤولية بتاتاً، ويكون للضرورة حكم الدفاع الشرعي من هذا الوجه. وقد لمح التقنين الألماني إلى هذه التفرقة فنص في المادة 228 على أن «كل من أتلف أو خرب شيئاً مملوكاً للغير لدرء خطر يتهدده أو يتهدد غير من جراء هذا الشيء لا يعد بذلك مخالفاً للقانون متى كان الإتلاف أو التخريب قد استلزمه دفع الخطر وكان الضرر متناسباً مع هذا الخطر، فإذا كان الفاعل قد أحدث الخطر بفعله سئل عن تعويض الضرر». وقد اتبع التقنين البولوني هذه التفرقة نفسها مع اختلاف في التعبير فنص في المادة 140 على أن «كل من ضرب أو أتلف شيئاً مملوكاً للغير، أو قتل أو جرح حيواناً مملوكاً للغير وقاية لنفسه أو لغيره من خطر يتهدده أو يتهدد هذا الغير مباشرة من جراء هذا الشيء أو ذاك الحيوان، لا يسأل عما يحدث من ضرر إذا كان لم يستجلب هذا الخطر وكان الفعل الذي ترتب عليه الضرر لازماً». ويلاحظ أن التقنينين المتقدم ذكرهما يفرقان بين حالة إحداث الخطر من جراء شيء يملكه المضرور، وبين حالة إحداث الخطر بخطأ من وقع الضرر منه. ففي الحالة الأولى تنتفي المسؤولية بتاتاً، في حين أنها تظل في الحالة الثانية كاملة غير منقوصة. على أن المشروع قد عرض لحالة أدق من الحالتين السابقتين فواجه صورة من صور الخطر تنجم عن ظروف خارجية لا يكون لمحدث الضرر أو المضرور يد فيها، وقضى بتخفيف المسؤولية في هذه الصورة عوضاً عن الإبقاء عليها أو نفيها في جملتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *