الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 6

الاعمال التحضيرية:
ورد نص المادة 6 في المشروع التمهيدي تحت رقم 6 ونصها:
يصبح استعمال الحق غير جائز في الأحوال الآتية:
أ ـ إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.
ب ـ إذا كان متعارضاً مع مصلحة عامة جوهرية.
ج ـ إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة، أو كانت هذه المصالح قليلة الأهمية لاتتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها، أو كان استعمال الحق من شأنه أن يعطل استعمال حقوق تتعارض معه تعطيلاً يحول استعماله على الوجه المألوف.

المشروع في لجنة المراجعة:
تليت المادة 6 في لجنة المراجعة، فأقرتها اللجنة مع بعض تعديلات، وكذلك حذفت الفقرة /د/ وأصبح نصها مايأتي:
يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية:
أ ـ إذا لم يقصد به سوى الاضرار بالغير.
ب ـ إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب مطلقاً مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.
ج ـ إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة.
ثم قدمت في المشروع النهائي بعد أن استبدلت بكلمة «مطلقاً» كلمة «البتَّة» ووافق عليها مجلس النواب تحت رقم 5.

المشروع في مجلس الشيوخ:
وافقت لجنة القانون المدني على المادة دون تعديل مع استبدال كلمة «مشروع» بكلمة «جائز» وأصبح رقمها5.
ـ وافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها اللجنة.

مذكرة المشروع التمهيدي:
تضع المادة 6 الأحكام الخاصة بالتعسف في استعمال الحق بالمعنى الذي تقدمت الإشارة إليه. فتقضي بأن استعمال الحق يكون غير جائز في حالات خاصة، أخذ المشروع في تعيين بعضها بمعيار «نية الإضرار»، وأخذ في تعيين بعض منها بمعيار مادي «التعارض مع مصلحة عامة جوهرية»، ووفَّق في بعض آخر ما بين المعيارين. ولم يكن التشريع المصري يتضمن نصاً عاماً في شأن التعسف في استعمال الحق، بل اقتصر الأمر فيه على بعض تطبيقات خاصة كنص المادة 38/59/60 من القانون المدني. على أنه ليس لمالك الحائط أن يهدمه لمجرد إرادته، إذا كان يترتب على ذلك حصول ضرر للجار المستتر ملكه بحائطه ما لم يكن هدمه بناءً على باعثٍ قوي. ونص المادة 115/120 من قانون المرافعات على جواز الحكم بالتعويض في مقابل المصاريف الناشئة عن دعوى أو مدافعة كان القصد بها مكيدة الخصم. وقد استلهم القضاء هذه التطبيقات وآراء الفقه وأخذ بفكرة التعسف في استعمال الحق واستند في ذلك إلى القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية كما هي مقررة في المادة 151/212 مدني.
2ـ بيد أن المشروع أحلَّ النص الخاص بتقرير نظرية التعسف في استعمال الحق مكاناً بارزاً بين النصوص التمهيدية، لأن النظرية من معنى العموم ما يجعلها تنبسط على جميع نواحي القانون، دون أن تكون مجرد تطبيق لفكرة العمل غير المشروع. فإذا كان القضاء قد رأى أن يستند في تطبيقها إلى قواعد المسؤولية التقصيرية بسبب قصور بعض النصوص، فهو لم يقصر هذا التطبيق على ناحية معينة من نواحي القانون المدني، وإنما بسطه على هذه النواحي جميعاً، بل وعلى نواحي القانون قاطبة. فهو يجزم بأن النظرية تنطبق على روابط الأحوال الشخصية في شأن الحقوق الشخصية، وأنها لا تقف عند حدود القانون الخاص، بل تجاوزه إلى القانون العام. ولذلك آثر المشروع أن يضع هذه النظرية وضعاً عاماً محتذياً مثال أحدث التقنينات وأرقاها (انظر المادة 2 من التقنين المدني السويسري والمادة 1 من التقنين المدني السوفيتي).
وقد استمد من الفقه الإسلامي بوجه خاص الضوابط الثلاثة التي اشتمل عليها النص.
1 ـ وأول هذه المعايير هو معيار استعمال الحق، دون أن يقصد من ذلك سوى الإضرار بالغير. وهذا معيار ذاتي استقر الفقه الإسلامي والفقه العربي والقضاء على الأخذ به. والجوهري في هذا الشأن هو توافر نية الإضرار ولو أفضى استعمال الحق إلى تحصيل منفعة لصاحبه. ويراعى أن القضاء جرى على استخلاص هذه النية من انتفاء كل مصلحة من استعمال الحق استعمالا يلحق الضرر بالغير، متى كان صاحب الحق على بينة من ذلك. وقد جرى القضاء على تطبيق الحكم نفسه في حالة تفاهة المصلحة التي تعود على صاحب الحق في هذه الحالة.
2 ـ والمعيار الثاني قوامه تعارض استعمال الحق مع مصلحة جوهرية. وهذا معيار مادي استقاه المشروع من الفقه الإسلامي وقننته المجلة من قبل إذ نصت في المادة 26 على أن الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام (انظر أيضاً المواد 27 و 28 و 29 من المجلة). وأكثر ما يساق من تطبيقات في هذا الصدد عند فقهاء المسلمين يتعلق بولاية الدولة في تقييد حقوق الأفراد صيانة للمصلحة العامة، كمنع اختزان السلع تجنباً لاستغلال حاجة الأفراد إليها خلال الحروب والجوائح. على أن الفكرة، في خصبها، لا تقف عند حدود هذه التطبيقات، فهي مجرد أمثلة تحتمل التوسع والقياس.
3 ـ أما المعيار الثالث فتندرج تحته حالات ثلاث:
أ ـ الأولى حالة استعمال الحق استعمالا يرمي إلى تحقيق مصلحة غير مشروعة. وتعبير المشروع في هذا المقام خيرٌ من نص بعض التقنينات على صرف الحق عن الوجهة التي شرع من أجلها. ولاتكون المصلحة غير مشروعة إذا كان تحقيقها يخالف حكماً من أحكام القانون فحسب، وإنما يتصل بها هذا الوصف أيضاً إذا كان تحقيقها يتعارض مع النظام العام أو الآداب. وإذا كان المعيار في هذه الحالة مادياً في ظاهره، إلا أن هذه النية كثيراً ما تكون الصلة الأساسية لنفي صيغة المشروعية عن المصلحة. وأبرز تطبيقات هذا المعيار يعرض بمناسبة اساءة الحكومة لسلطانها، كفصل الموظفين إرضاءً لغرض شخصي أو شهوة حزبية (استئناف مصر. الدوائر المجتمعة، أول مارس 1928 المحاماة س8 ص750). وأحكام الشريعة الإسلامية في هذا الصدد تتفق مع ما استقر عليه الرأي في التقنينات الحديثة والفقه والقضاء.
ب ـ والثانية حالة استعمال الحق ابتغاء تحقيق مصلحة قليلة الأهمية لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها. والمعيار في هذه الحالة ماديٌّ، ولكنه كثيراً ما يتخذ قرينة على توافر الإضرار بالغير. ويساير الفقه الإسلامي في أخذه بهذا المعيار اتجاه الفقه والقضاء في مصر وفي الدول الغربية على حد سواء.
ج ـ والثالثة حالة استعمال الحق استعمالاً من شأنه أن يعطّل استعمال حقوق تتعارض معه تعطيلاً يحول دون استعمالها على الوجه المألوف. والمعيار في هذه الحالة ماديّ. وإذا كان الفقه الغربي لا يؤكد استقلال هذا المعيار، إذ يُلحقه بمعيار انتفاء صفة المشروعية عن المصلحة، أو يجعل منه صورة لمجاوزة حدود الحق يطلق عليه اسم الإفراط، إلا أن الفقه الإسلامي يخصه ببيان مستقل. والقضاء في مصر أميَل إلى الأخذ بمذهب الفقه الإسلامي (العطارين الجزئية 21 أكتوبر سنة 1929 المحاماة س10 ص783، واستئناف مختلط 11 ديسمبر سنة 1930 ب43 ص78). وكانت المجلة قد قننت هذا الفقه، فقضت في المادة 1198 بأن «كل أحدٍ له التعلي على حائط الملك وبناء ما يريد، وليس لجاره منعه ما لم يكن ضرراً فاحشاً». وعرَّفت الضرر الفاحش في المادة 1199 بأنه «كل ما يمنع الحوائج الأصلية، يعني المنفعة الأصلية المعقودة في البناء كالسكن، أو يضر بالبناء، أي يجلب له وهْناً ويكون سبب انهدامه». وعقَّب على ذلك بتطبيقات مختلفة في المواد من 1200 إلى 1212. وقد جرى القضاء المصري، منذ عهد بعيد، على الأخذ بهذه المبادئ، ولا سيما فيما يتعلق بصلات الجوار. فقضت محكمة الاستئناف المختلطة في 30 ابريل سنة 1903 بأن «الملكية الفردية، أياً كانت سعة نطاقها، تتقيد بواجب الامتناع عن إلحاق أي ضرر جسيم بالجار.. ويدخل في ذلك كل فعل يمنع الجار من تحويل المنافع الرئيسية من ملكه». وتواترت الأحكام بعد ذلك على تقرير المبادئ ذاتها.
وعلى هذا النحو، وقع المشروع دستوراً لمباشرة الحقوق ألـّف فيه بين ما استقر من المبادئ في الشريعة الإسلامية، وبين ما انتهى إليه الفقه الحديث في نظرية التعسف في استعمال الحق، ولكن دون أن يتقيد كل التقيد بمذاهب هذا الفقه. وبذلك أتيح له أن يمكّن للنزعة الأخلاقية والنوزعات الإجتماعية الحديثة. وأن يصل بين نصوصه وبين الفقه الإسلامي في أرقى نواحيه وأحفلها بعناصر المرونة والحياة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *